ســـــوغاوارا ـ نو ـ متشــــيزانيه
الشاعر الإله
محمــــــــــــــــود يعقوب
ميتشيزانيه شاعر فذ ، من شعراء عصر ” هييان ” الإمبراطوري في اليابان .
أظهر ، إلى جانب كونه أديباً بارزاً ، ضلوعه في الأبحاث العلمية والاجتماعية ، ومهارة فائقة في السياسة والدبلوماسية . وقد ارتقت به مواهبه العديدة إلى مراتب متقدمة في السلطة ، حتى تسنمه أرفع تلك المناصب جميعاً . ولكن يد الغيرة ، والحسد ، والضغينة ، سرعان ما أوقفته عن مسيرته ، وأطاحت به ، منفيّاً من العاصمة ، إلى مكان ناءٍ ، وقاسٍ ، ليموت هنالك مظلوماً . ولكنه ، في موته ، سرعان ما أضحى إلهاً .
◘ ◘ ◘
على الصعيد التاريخي البحت ، يقصد بعصر ” هييان ” ، في تاريخ اليابان القديم ، القرون الأربعة الممتدّة منذ بداية القرن الثاني عشر الميلادي ، والتي شكّلت حاضنة ، اجتماعية وثقافية ، حيويّة وفاعلة ؛ أفرزت الكثير من رجالات الدولة اليابانية ؛ في الوقت الذي كان فيه الإطار العام لهذه الدولة آخذ بالتشكّل بخصوصية ملامحه الوطنية ، عبر انعتاقها التدريجي من التأثير الشديد للحضارة والثقافة الصينية والكورية معاً ، وراحت اليابان ، بطريقة واعية ، تخط ملامحها الأصيلة ؛ لا سيّما خلال المائتي سنة الأولى من هذا العصر ، تلك المرحلة الغنيّة بالأحداث التاريخية والثقافية البارزة والمهمة .
حملت فترة ” هييان ” معها عهداً من الرخاء والقوة ، حيث استطاع البلاط الإمبراطوري من بسط هيمنته على كامل الأرخبيل الياباني ، بعد أن كان مجزئاً بين القبائل وكبار الأمراء ؛ باستثناء جزيرة هوكايدو ، في أقصى الشمال الشرقي ، حيث يسيطر عليها السكان الأصليين ، المعروفين باسم ” الآينو ” ، الذين يقتصر وجودهم على هذه الجزيرة في الوقت الحاضر .
وعلى الصعيد السياسي في هذا العصر أيضاً ، استطاعت عائلة من أرقى العوائل الأرستقراطية في اليابان ، وهي عائلة فوجي وارا ، والتي كانت على علاقة حميمة مع أسرة الإمبراطور ، استطاعت أن تتغلغل في مفاصل السلطة العليا ، وتتحكّم في سياسة وهوى الإمبراطور ، والسيطرة على المقاليد الرسمية في البلاط ؛ وذلك بعقد صلة الرحم مع الأسرة الحاكمة ، عن طريق تزويج بناتهم لأبناء الأباطرة ، وبات نفوذها السياسي لا يُضاهى . ومن الطبيعي أن تحرص عائلة وصولية ، مثل عائلة فوجي وارا عن إزاحة كل المنافسين الأرستقراطيين الآخرين عن طريق طموحاتها القوية ، بكل ما تملكه من قوة وسلطان .
وفيما يتعلّق بالإبداع الأدبي ، فقد تمخّض هذا العصر المزدهر عن نخبة عظيمة من الأدباء الملهمين ؛ الذين كان لهم الأثر الواضح في المشهد الثقافي والأدبي الياباني على مرّ العصور ، والذين خلّفوا أروع الأعمال الأدبية في الشعر والنثر . ففي الشعر برز :
سوغاوارا ـ نو ـ ميتشيزانيه ، كينو ـ تسورايوكي ، إيزومي ـ شيكيبو ، بينما في النثر برزت كل من موراساكي ـ شيكيبو ، و ساي شوناغون ، وغيرهم من الأسماء المتلألئة في سجل اليابان الثقافي .
” ومما يلفت الانتباه في هذه المرحلة بالذات ، هو أنها تعتبر العصر الذهبي لأدب سطّرته أنامل نساء أشهرهن : إيزومي ـ شيكيبو ، ساي شوناغون ، وجميعهن ظهرن في وقت واحد تماماً : بين نهاية القرن العاشر ، وبداية القرن الحادي عشر ، في ظاهرة فريدة من نوعها في العالم . كان بينهن في حياتهن الخاصّة ، كما في نشاطهن الأدبي ، وبصفتهن سيدات شرف في البلاط الإمبراطوري ، روابط صداقة ، أو ـ حسب الحالات ـ روابط منافسة شديدة ، وذلك قبل أن يمتن في العزلة دون أن يعرفن عظمة الأعمال الأدبية التي كنّ قد أنجزن ” [۱] .
وعلى الرغم من سطوع أسماء أدبية كثيرة ، في الحقب الزمنية التالية ،إلّا أن الآثار الأدبية لهؤلاء السيدات ما تزال محلّ تقدير وإعجاب حقيقيين ؛ وممّا يلفت الانتباه أن أدب هذا العصر، برمّته ، كان أدباً أرستقراطياً ، أنتجته الطبقة العليا في المجتمع ، والتي كان يعج ، ويموج بها البلاط الإمبراطوري . ومن الواضح أنها لاقت استحساناً كبيراً من القرّاء ، قديماً وحديثاً ، وقد نقلت هذه التحف الأدبية إلى لغات عدّة ، حيث تُرجمت إلى أغلب لغات العالم الحيّة . لكن ، في الواقع ، إن عدداً قليلاً جداً من اليابانيين يستطيع في يومنا هذا الإطلاع على هذه الآثار في نصّها الأصلي القديم . جرت محاولات حثيثة لنقلها إلى اللغة اليابانية الحديثة ،حيث استطاع المثقف الياباني ، اليوم ، أن يأنس بقراءة ” سيرة كنجي ” ، أو ” يوميات وسادة “. وبفضل الشروح والتعليقات ، المخصّصة لذلك أيضاً ، نتعلّم كيف نتذوّق ، ونقدّر قيمة دواوين ” قصائد ” أو ” يوميات ” السيدة إيزومي ـ شيكيبو .
يمكن تفسير هذه الوضعية في ما عرفه الّلسان الياباني المكتوب من تغيّرات مفاجئة ،
وطارئة ، خلال النصف الثاني من القرن الثاني عشر ، أي خلال المرحلة التي يُشار إليها عادة بعبارة ” إصلاحات ميجي “، والتي تتقاطع مع انفتاح اليابان على الأجانب ، وعلى التغريب ، والتحديث . هذا التغيير اللّساني المفاجئ جعل اليابانيين غير قادرين على قراءة النصوص الكلاسيكية مباشرة ، وبسهولة ، إلّا إذا تدرّبوا على هذه القراءة بشكل منهجي ومنتظم .
“يجب أن نحترس من نسيان قضية في غاية الأهمية : أي الدور الذي لعبه نظام الكتابة المستخدم من قبل مثقفي ذلك العصر . فالرجال الذين كانوا يعملون كموظفين في البلاط ـ وهم ممثلو الأوساط الثقافية آنذاك ؛ كانوا يجدّون طبيعياً أن يكتبوا أعمالهم الأدبية بالحروف الصينية ، وبالأسلوب المعروف بـ ” كامبون ” ، وهو شكل هجين صيني ـ ياباني ، لا علاقة له باللغة اليابانية المحكية .
كان إتقان أسلوب ” الكامبون ” معياراً حاسماً للحكم على كفاءة ومهارة موظف البلاط .
من جهة أخرى ، كان يجب على من يكتب نثراً جميلاً الضلوع ليس فقط في مجالات الحقوق ، والاقتصاد ، والدبلوماسية ، والسياسة الداخلية ، والتاريخ ، بل وفي الآداب أيضاً . وهذا ما قد يبدو مفاجئاً . وبلا ريب أن سوغاوارا ـ نو ـ ميتشيزانيه كان واحداً من هؤلاء البشر النادرين .. شخصية ذات أهمية استثنائية ، وشاعراً رائعاً أيضاً “[۲] .
◘ ◘ ◘
من هو متشيزانيه ؟ .
تاريخ الولادة : في ۱ / أغسطس / ٨٤٥ م .
تاريخ الوفاة : في ۲٦ / مارس / ٩۰٣ م .
هذا الرجل الذي توفي عن ٥٩ سنة بعيداً عن العاصمة ، وبعيداً عن عائلته ، في مدينة ” دازايفو ” في أقصى غرب الإرخبيل الياباني ، في جزيرة كيوشو ، حيث عوقب بالنفي إلى هناك .
وُلِدَ متشيزانيه في عائلة من العلماء حملت ألقاباً وراثية راقية . إذ أنه وُلِدَ لعائلة سوغاوارا المرموقة . خدم جده المحكمة الإمبراطورية ، ودرّس التاريخ في المدرسة الوطنية . وأنشأ والده مدرسة خاصة في قصره ، ودرّس الطلاب الذين استعدوا
لامتحان القبول في المدرسة الوطنية ، أو الذين لديهم طموحات ليكونوا ضباطاً في المحكمة ، بما في ذلك ابنه متشيزانيه .
درس الصبي بجد ، ومثابرة ، وسرعان ما ظهرت عبقريته الطبيعية . بدأ في قراءة الشعر عندما كان في الخامسة من عمره . وفي سن الحادية عشر صار بإمكانه أن يقرأ الشعر الصيني . وفي هذا السن أيضاً ، أذهل متشيزانيه والده بكتابة قصيدة شعرية ، باللغة الصينية ، في جمال شجرة البرقوق ، وطيب أزهارها ؛ وكان عنوان هذه القصيدة : ” لقاء أزهار البرقوق في ضوء القمر ” ، والتي مطلعها :
” القمر يضيء مثل الثلج ،
وتتألّق أزهار البرقوق مثل النجوم ” .
وظل متشيزانيه يتغنّى بحب أشجار البرقوق حتى الممات ” [٣] .
اجتاز متشيزانيه امتحان القبول ، ودخل الأكاديمية الوطنية في ذلك الوقت . وبعد التخرج بدأ حياته المهنية في المحكمة كباحث ؛ وتدرج صعوداً في الرتب الوظيفية حتى
احتل الرتب العليا .
أتاح له تدريبه ، ومهارته ، في اللغة الصينية الكلاسيكية ، والأدب ، العديد من الفرص لصياغة المراسيم والمراسلات للمسؤولين في المحكمة اليابانية ، بالإضافة إلى واجباته الوظيفية .
في عام ٨۷۷ م تم تكليفه بوزارة الاحتفالات ، مما سمح له بإدارة الشؤون التعليمية ، والفكرية أكثر من ذي قبل .
وفي هذا العام تمت ترقيته ، أيضاً ، إلى أستاذ الأدب في الأكاديمية . وفي وقت لاحق تم تعيينه أيضاً دكتوراه في الآداب ، وهو أعلى منصب في الأكاديمية الوطنية ، وكان هذا أعلى تكريم يمكن أن يناله .
” في عام ٨٨٦ م ، تم تعيينه ليكون حاكم مقاطعة سانوكي لفترة أربع سنوات في المقاطعة ، حيث أنتج في هذه الفترة الكثير من أشعاره .
في عام ٨٩۰ م ، انتهت ولايته كحاكم ، وعاد إلى وظيفته في العاصمة كيوتو ، حيث كان الإمبراطور ” أودا ” في صراع مع عائلة فوجي وارا لتعزيز السلطة الإمبراطورية .
في عام ٨٩٩ م ، تم تعيينه وزيراً لليمين ( أوديجين ) ، ثاني أهم منصب وزاري في الإمبراطورية “[٤] .
أظهر متشيزانيه : ذكاءً ، ومهارة فائقة في فن الدبلوماسية السياسية ، ونجح بعد عدّة سنوات من أن يكون دبلوماسياً بارزاً . وتم اختياره ليستقبل في ” كيوتو ” بعثة
دبلوماسية لبلد صديق يدعى بوهاي ، الذي كانت لبلده اليابان علاقات وطيدة ومتطوّرة جداً معه . وقد أشاد السفير نفسه بمواهب متشيزانيه الشعرية ، وأطرى عليه . وكان السفير ، نفسه ، شاعراً معروفاً . و بوهاي منطقة تقع في الشمال الشرقي من الصين ، ازدهرت بين القرن الثامن والقرن العاشر . وكانت لها ثقافة غنية ، غنى الإمبراطورية ” التانغية ” في بلاد الصين . كما كان سفيرها في اليابان ، وبقدراته الشعرية ، باستطاعته تشخيص الموهبة الشعرية لدى متشيزانيه .
حاز متشيزانيه على لقب دكتور في الآداب وعمره ٣۲ عاماً ، وهذا أمر نادر في
اليابان إبّان ذلك العصر . وكان بصفته موظفاً مثقفاً وينتظره مستقبل باهر ، تمتع بملذات الحياة في البلاط . بالمقابل كان عرضة لجميع أنواع الغيرة والحسد . هذا الموظف اللامع ، الذي كان من المؤكد أنه سوف يتابع عمله بشكل منتظم في البلاط ، عيّن وهو في سن الواحد والأربعين ، وبسبب تغيّر مفاجئ تماماً ، حاكماً على منطقة ” سانوكي ” ، أي منطقة ” كاغاوا ” حالياً ، في جزيرة شيكوكو ، بعيداً عن العاصمة .
وهكذا كان مجبراً على البقاء أربعة أعوام مثبّطة للهمّة ، في بلد بعيد جانب البحر . فلأول مرّة يجد نفسه على احتكاك مباشر مع الناس . ولذا استطاع أن يعرف واقع حياتهم اليومية البائسة جداً ؛ الأمر الذي سوف ينعكس على إبداعه الشعري ، ويُدخِل فيه تطوراً جديداً ومهماً .هكذا بدأت تظهر في قصائده سلسلة موضوعات ، ما كان له أن يتناولها لو بقي في عاصمة البلاط . كما يمكن أن نلمس فيها ، وبدقة يقظة ، وضع أصبعه على الفساد المنتشر في أوساط الموظفين آنذاك . بعد هذه الإقامة في ” سانوكي ” عاد إلى العاصمة مجدّداً ، حيث نال هنالك ثقة الإمبراطور ” أودا ” شبه المطلقة ، بُعيد تدخّله الفذ لحل مشكلة سياسية معقّدة . بعبارة أخرى ، كان للقائه الجديد مع الإمبراطور تأثيراً حاسماً على مصيره .
كانت عائلة فوجي وارا تحكم سيطرتها على الأوساط السياسية ، سيطرة لا مثيل لها إطلاقاً . وكان لأباطرة اليابان روابط زواج مع بعض نبلاء هذه العائلة ، كما أسلفت ، وفي الغالب ، لم يكونوا سوى دمى بأيدي أمراء العائلة . ومع ذلك كان الإمبراطور أودا يطمح إلى تحييد آل فوجي وارا ، وإصلاح القضايا السياسية . وفي سبيل هذا الهدف قرّب إليه متشيزانيه وقلّده المراتب الهامّة . هكذا أصبح تقدم هذا الأخير في الأوساط السياسية الرسمية سريعاً جداً . الأمر الذي عزّز احتراس آل فوجي وارا منه .
ثمّ أن غيرة الموظفين الآخرين منه ، وتمنعهم من التعاون معه ، كانا قد بلغا الذروة . إضافة إلى زواج الأمير الإمبراطوري توكيو ـ شينو بإحدى بناته . في مثل هذه الظروف ، التي تحدث في البلاط ، حيث كان القلق ينغّصه من ازدياد الخصوم المحيطين به ، توصّل متشيزانيه إلى مرتبة وزير اليمين ، أعلى مرتبة سياسية آنذاك ، وكان عمره ٥٤ عاماً . وفي الوقت نفسه ، كان توكيهارا ـ فوجي وارا الشخص الوحيد الذي عينه الإمبراطور في مرتبة مماثلة لمرتبة متشيزانيه أي وزير اليسار ، وهو من أقوى فروع عائلة فوجي وارا ولم يكن عمره آنذاك أكثر من ۲٨عاماً ، أي أصغر من متشيزانيه بـ ۲٦ عاماً . في هذا الحديث ما يوضح جيداً الهيمنة السياسية الأسطورية لـ آل فوجي وارا آنذاك . يشير هذا إلى أي حدّ كان متشيزانيه يعيش معزولا ً . كان دعم وثقة الإمبراطور أودا في البداية فقط ، يمنحانه الثقة والسلطة للتعادل السياسي مع قوة أل فوجي وارا ، لذلك لا نبالغ إذا قلنا أن مصيره كان معلّقاً بخيط فقط .
لكن الإمبراطور لم يواظب على رعاية متشيزانيه ، ومذّ يد العون له فيما بعد ، فها هو يتخلّى عن منصبه السياسي ، ويخلع نفسه لصالح ابنه البكر ( دايجو ) ، مفضّلاً ، بصفته امبراطوراً ، البقاء قي الظل من أجل الإمساك جيداً بخيوط السلطة ، ومتفرّغاً في الوقت ذاته للتمتع بحياته الخاصة .
كان عمر خليفته ” دايجو ” ۱۲ عاماً فقط ؛ بمعنى أنه كان صبياً عندما تم تنصيبه إمبراطوراً . أما هو فقد كان في ريعان الشباب ، وعمره آنذاك ٣۰ عاماً . لقد استطاع ” أودا ” أن يتمتّع ـ ولحدّ موته بعد ٣٤ عاماً من تخليه عن سلطة العرش ـ بملذات الحياة التي تتاح للأباطرة السابقين من أمثاله .
في هذا الوقت ازدهرت حضارة عصر ” هييان ” وعرفت أوج تفتحها . والواقع أن عصري الإمبراطور ” أودا ” وابنه الإمبراطور ” دايجو ” يمثلان فعلاً ازدهار الثقافة اليابانية الكلاسيكية ، ويمثلان المرحلة التي استطاع خلالها شاعرنا ، ثم شعراء ديوان قصائد الواكا أن يصلوا إلى أعلى درجات الإتقان والكمال ، لشكلي ” الكانشي ” و ” الواكا ” الشعريين .
كنّ الإمبراطور الشاب ” دايجو ” في البداية ، وتنفيذاً لأوامر الأب ، كل الاحترام والتقدير لـ متشيزانيه أضف إلى أنه لم يخفِ مرّة واحدة إعجابه اللا محدود بقصائده .. وبعد سنتين من تنصيبه إمبراطوراً ، عيّن متشيزانيه وزيراً لليمين . آنذاك ، كان الإمبراطور المعتزل أودا لا يزال قادراً على إدارة ابنه بسهولة من على مسافة ؛ الأمر الذي يفسّر نجاح متشيزانيه في تحمّل المسؤوليات الملقاة على عاتقه ، بسبب موقعه ، رغم الصعوبات المتعدّدة التي كان يواجهها . بيد أن هذه الوضعية ستجر متشيزانيه بشكل خفي ، لكن محتم ، إلى الخسارة ، فكلما كان نفوذه يزداد ، كان يبدو أكثر خطورة في نظر آل فوجي وارا . لقد تآمر عليه أقوياء هذه العائلة جميعاً من توكيهارا إلى المثقفين المليئين بالحقد عليه ، إلى الراغبين بخسارته . فأقنعوا جميعاً الإمبراطور دايجو بأن وزير يمينه يدبّر له مكيدة هائلة ، غايتها أن يتخلّى عن العرش ، وأن يحل محله الأمير توكيو ـ شينو المتزوج بابنة متشيزانيه نفسه .
من السهل أن نتصّور الصدمة التي أصيب بها الإمبراطور الشاب . الذي لم يكمل بعد عقده الثاني ” ۱٦ سنة ” من جراء المؤامرة المزعومة . هكذا أقيل متشيزانيه من منصب وزير اليمين ، ليعيّن في وظيفة مثيرة للسخرية . حاكم مبعوث في كيوشو . عقوبة العاصمة جاءت في وقت قصير للغاية . إن هذه الوظيفة الجديدة ، والتي تعادل في أيامنا ” نائب الوالي ” لم تكن في غالب الأحيان ، أكثر من تعيين اسمي لموظفي الحكومة المركزية الكبار المقالين من مناصبهم .
وهذا ما حدث لشاعرنا متشيزانيه تماماً ، دون أي خرق للقاعدة .
” وقبل أن يذهب إلى منفاه ، كتب قصيدة يودّع فيها شجرة البرقوق ، التي اعتاد رؤيتها ؛ فكتب في حزن يقول :
” عندما تهب الرياح الشرقية
تنشرين رائحتك ،
أنت يا أزهار البرقوق
على الرغم من فقدك سيدك لا تغفلي الربيع “[٥] .
***
تقول الأسطورة الرومانسية : إن شجرة البرقوق كانت مغرمة جداً بسيدها ، لدرجة أنها طارت أخيراً ، مقتلعة جذورها من تراب كيوتو ، إلى دزايفو ، وأصبحت هذه الشجرة تعرف باسم ( البرقوق الطائر ) ، في المزار المخصّص للشاعر .
لنشر إلى أن مدينة ” دازايفو ” الواقعة في غرب أقصى الأرخبيل الياباني ، كانت بالنسبة إلى الحكومة كيوتو قاعدة عسكرية دفاعية ضد أيّة تهديدات محتملة من الصين أو من كوريا . ومن الواضح أن متشيزانيه لم يشعر بالارتياح من منصبه الجديد كوالي للمدينة ، وعلى العكس فقد شعر بالاستياء منه . سيّما أنه إنزل في بيت حقير لا يليق بمقامه ، ولا يحصل على مايكفيه وولديه من الطعام . وظل يتوق حنيناً للعودة إلى مدينته الحبيبة كيوتو .
بعد سنتين من حياة الانزواء في هذه المدينة القوية ، مات متشيزانيه هناك والآلام الروحية ، والمعنوية تقض مضجعه . إن القصائد التي كتبها ، خلال منفاه ، انتحاب بدموع من دم . إنها تعبّر بصدق عن رجل مدان بجريمة لم يرتكبها . وبفضل هذه الأعمال الأدبية أصبح متشيزانيه الشاعر الكبير الذي نعرفه .
عندما أرسل إلى المنفى ، بُدّدت عائلته بفظاعة ، وشُتّت أفرادها في ستة أماكن مختلفة ، زوجته وابنتاها استطاعا البقاء في البيت في كيوتو ، لكن أولاده أرسلوا إلى محافظات بعيدة جداً عن العاصمة : الأول إلى ” توسا ” ، الثاني إلى ” سوروغا ” ، الثالث إلى
” هيدا ” ، والرابع إلى ” هاريما ” ، أما متشيزانيه فقد أخذ طريق المنفى الذليل مع أصغر أبنائه ، فتى وفتاة ، سرعان ما مات هذان الأخيران بسبب سوء التغذية في كيوشو
. هو الآخر لم يكن صلباً كثيراً ، سقام حاد بسبب الخوف واليأس ، عجّلا في نهايته .
توفي متشيزانيه بوقت قصير ، ودفن في مدينة دازايفو ، في معبد anrakuji ، أو ما يعرف اليوم بضريح ” تمنجن ” ، أحد أشهر عشرة مزارات فريدة ، وشهيرة في البلاد
بعد سنتين من حياة الانزواء في هذه المدينة القوية .
لكن التاريخ لم يتوقّف عند موت متشيزانيه ، فبعد هذا الموت بوقت طويل تعود روحه القلقة الثائرة لتنتقم من الذين دبّروا إقالته . فوزير اليسار توهيكارا ـ فوجي وارا ، المسؤول الأول عمّا حدث لشاعرنا ، مات باكراً وعمره ٣٨ عاماً ، ورأى الجميع في هذه الميتة أن روح متشيزانيه تنتقم . كما أن صاعقة ضربت أهم جناح في القصر الإمبراطوري ، فمات بعض الذين تأمروا عليه ميتة شنيعة ؛ وانتشر الطاعون والجفاف ، ومات أبناء الإمبراطور دايجو على التوالي ، وحتى بعد وفاة الإمبراطور انتشرت دعاية مفادها أنه سقط في الجحيم ..
باختصار كان يعتقد أن متشيزانيه تحوّل إلى إله الرعد كي ينتقم لنفسه . هذا الاعتقاد لم يكن مجرّد أفكار عابرة ، وإنما هو جزء من المعتقدات ، التي تفرضها ديانة اليابان الأصلية ، وهي الديانة الشنتوية .
ونظام الديانة الشنتوية يؤمن باستمرارية المجتمع بين العوالم البشرية والروحية .
” تدافع الشنتوية عن أن ” كل شيء له روح ” ، وإذا ما تعرّضت هذه الروح إلى الظلم ، وحُرِمَت من رغباتها القوية قبل الموت ، فإنها سوف تتشكّل على شكل روح استياء .
وروح الاستياء هذه تشير إلى الاستياء الناجم عن الموت بسبب الكراهية . لا يمكن للمتوفي أن يدخل التناسخ بسبب هذا الاستياء القوي . وغالباً ما تخرج هذه الأرواح لإثارة المشاكل والانتقام . مما يتسبّب في حدوث العديد من الأشياء الغريبة . وفي التاريخ الياباني القديم كانت هنالك أربعة مظلوميات كبرى ، أي هنالك أربعة أرواح استياء كبيرة معروفة ؛ عبّرت عن مظلوميتها بأنواع من الأحداث الخارقة للطبيعة . وهذه الأرواح الأربعة هي :
ـ الإمبراطور سوتووكاو .
ـ هيرامامون .
ـ الأمير سورا .
ـ متشيزانيه .
وتعرف هذه الأرواح باسم ـ الأرواح الحزينة ـ .
كذلك عُرِفَت بثورتها وانتقامها بعد الموت ! “[٦] .
” في دين الشنتو الياباني ، هناك حرفياً الآلاف والآلاف من الآلهة ، ولكل شخص إلهه المعروف . ومن بين هذه الآلهة بات متشيزانيه ، الإله تنجين ، إلهاً معروفاً ، ومشهوراً جداً ، حيث هنالك أكثر من ( ۱۰٫۰۰۰) مقام له في جميع أنحاء البلاد . وفي كل عام يحتشد الكثير من طلاب المدارس والجامعات للصلاة ، وشراء التمائم ، لجلب الحظ ، خلال فترة الامتحانات ، في فصل الربيع “[۷] .
تحرّكت المحكمة الإمبراطورية لتهدءة روحه الغاضبة ، من خلال منحه ، بعد وفاته ، اسم كاراي تينجين ( إله النار والرعد ) ، وبناء هذا الضريح ، في مدينة دزايفو ، وبات معروفاً باسم الإله تينجين ، وانتشرت معابده في عموم اليابان . حيث يتمتع بشعبية واسعة بين طلبة المدارس والجامعات . وزُرِعَت أشجار البرقوق بجوار معبده الرئيس في مدينة دزايفو ، بسبب ولع متشيزانيه المعروف لها ، خلال حياته . حيث يقام مهرجان زهر البرقوق في الضريح كل عام ، في شهر فبراير . ولهذا بعد عشرين سنة على وفاته يُعاد إلى جميع مناصبه الأولية ، كوزير اليمين ، بغية أن تهدأ روحه الثائرة . ثم بعد قرن صار بمرتبة إله . ولا يزال حتى اليوم معبوداً في
جميع محافظات اليابان تحت اسم ” تن ـ جين ـ ساما ” وتعني حرفيّاً إلوهية سماوية .
وباعتباره كان مثقفاً كبيراً خلّف وراءه آثاراً أدبية لا مثيل لها ، فإن مرشحي مسابقة الدخول في الجامعات والمدارس يتوجهون برجائهم إليه ، وكذلك حينما يأتي فصل الامتحانات ، فإن التلاميذ وأمهاتهم في جميع أنحاء اليابان ، يتوافدون إلى المعابد المخصّصة لـ ” تن ـ جين ـ ساما ” .
وأفخم تلك المعابد هو معبد تنجين في العاصمة كيوتو ، الذي يتميز بالعمارة المتقنة ، وأشجار البرقوق التي تنشر روائحها الزكية في فصل الربيع . وإلى جانب ذلك يضم المعبد مجموعة من الكنوز الأثرية ، ذات الأهمية الخاصة للباحثين التاريخيين .
يوضح هذا أن الصورة المنتشرة عن متشيزانيه هي صورة شخص عنده طاقات ثقافية نادرة . لكن اليابانيين ، في غالبيتهم ، نسوا أنه كان قبل كل شيء شاعراً كبيراً .
يعود هذا النسيان إلى أن أعماله الشعرية المكونة أساساً من ” الكانشي ” ، أي الشعر المكتوب باللغة الصينية ، مكتوب بأسلوب ” الكامبون ” أو بالصينية القديمة التي لا يفهمها في أيامنا سوى عدد محدود من القرّاء ..
بالمقابل ، فإن شعراء الجيل التالي لـ ” متشيزانيه ” بدءاً بـ ” كينو ـ تسورايوكي ” كانوا
يكتبون أشعارهم باليابانية المحكية آنذاك ( ياماتو ـ كوتوبا ) ويستخدمون حروف الـ ” كانا ” ، وبفضل هذا التغيير الجذري لنظام الكتابة ، والذي حدث عبر جيل واحد تقريباً ، فإن مختارات الواكا القديمة والحديثة ، التي وضعها كينو ـ تسورايوكي فرضت نفسها خلال عشرة قرون تلت ، كأهم مختارات في تاريخ الشعر الياباني .
بالمقابل ، وفيما كان متشيزانيه يزداد شهرة كمثقف ، وكسياسي ذي مصير مأساوي ، ثم بعد موته ، كإله معبود ، وحيث كان مسرح الكابوكي يزدهر باستلهام هذه الشخصية ـ مسرحيات حول سوغاوارا متشيزانيه بدءاً بمسرحية عنوانها ( مرآة التدرّب على تعاليم سوغاوارا السريّة ) ، فإن قيمة متشيزانيه كشاعر بقيت مجهولة لوقت طويل جداً . وهذا ما يؤسف له ، لا بل هو ظلم حقيقي لشاعرنا .
إن متشيزانيه وبلجوئه ، على صعيد اللغة والكتابة إلى وسائل تعبير من أصل صيني ، قد بذل كل ما في وسعه لكتابة قصائد ترتكز على مبادئ الشعر الصيني نفسها . وقد توّج مسعاه هذا بالنجاح . فأعماله تمتاز ، على صعيد اللغة أو المضمون ، بشمولية لحد
أن شعراء الصين الكبار : ليبو ، توفو ، أو بو شري ، لو قُدّر لهم وقرؤوها لكانوا استقبلوها باحترام شديد جداً .
وبشكل عام ، نجد في قصائده ـ ولا سيّما التي كتبها خلال إقامته في ” سانوكي ” ، ثم خلال منفاه في جزيرة كيوشو ، إن التعبير عن المشاعر ( فرح ، أو حزن ، أو غضب ، أو ألم ) ترافقه باستمرار إشارة دقيقة إلى العلّة والمعلول . كما أن موقع الذات محدّد بدقة هو الآخر . كذلك نجده يعبّـر بوضوح عن مواقفه إزاء أحداث المجتمع المحيط به .
والموضوعات التي يتناولها متعدّدة ، متنوعة : فهو تارة يذكر الرشاوى والمفاسد الأخرى المنتشرة في وسط البيروقراطيين ، الغيرة والجشع السائد بين المثقفين ؛ كذلك يشير إلى قوة إرادته في مثل هذه الظروف . وتارة يصف أبهة مختلف الحفلات الرسمية ، مركّزاً اهتمامه على غنج الراقصات ، وجمالهن الساحر ، على حركاتهن ، ووضاعتهن الفاترة . وتارة أخرى يرسم بالتفصيل فقر وآلام الناس الحسّية ، والمعنوية .
كما ينقل إلينا مظاهر متعددة عن حياته الخاصة اليومية من خلل قصائد تحكي ، بطريقة مؤثرة وجارحة ، كيف كان يعيش وحيداً ، أو كيف مات ابناه الصغيران معه .
باختصار ، إن قراءة الأعمال التي تركها متشيزانيه سوف تتيح لنا ، وبشكل ملموس أن نتخيّل وجود هذا الشاعر المثقف الذي كان قد عاش منذ ألف عام ، وسوف ندرك ذاك الوجود على حقيقته ، وحتى في تمزّقاته النفسية .
وهذا بالضبط ما كان يقصده الصينيون بالشعر ، بدقة أكثر ، كانوا يعتبرون طبيعياً أن ظهور ” الأنا ” في القصيدة ، وتؤكد نفسها بوضوح إزاء المجتمع . كان التميّز ، لا بل وحتى التناقض ، منذ الأساس ، موجوداً بين الذات والمجتمع ، وبشكل صريح جداً ، في الشعر الصيني القديم ، أي في ” الكانشي ” .
وبصورة عامة يبدو أن إثبات أنا الشاعر شيء طبيعي جداً في الشعر الصيني ، وعلى العكس يُقال بصدد شعر ” الواكا ” الياباني حيث يحبّذ إلغاء الأنا بشكل طبيعي جداً .
◘ ◘ ◘