لقد عرفت أن الحرب لن تنتهي أبدا ً، طالما ظل ّ ينزف في مكان ٍ ما جرح ٌ سببته الحرب .
“الأديب الألماني هاينريش بو ل “إنهالوحة ٌ مؤثرة ٌ ، تحرك المشاعر في كل وقت .. اللوحة الملحمية التي تتوسطهاالنساء الباسلات ، اللائي خضن معركة بناء الأعشاش أثر انجلاء العاصفة !.. إنها معركة السباق مع غيوم الزمن بالأيادي الخالية ..الأيادي العارية المتحدية . فيبرلين كما في أغلب ساحات المدن الألمانية ، هناك العديد من النصبالتذكارية ، التي تمثل النسوة وهن يقفن بثبات وعزم راسخ فوق القواعدالكونكريتية ، تلك التماثيل الممتلئة بالحياة ، والناطقة بكل الأحاسيسالإنسانية الفياضة ، تنتصب متغنية بوطنها وتقول لك حالما يقع نظرك عليها : ـ نحن بناة ألمانيا .. نحن اللواتي انتشلنا الوطن من براثن الخراب !!.. إنهاالنصب التي تستحقها عن جدارة ( نساء الأنقاض ) الألمانيات الشجاعاتاللائي تخطين هزيمة بلادهن ، في الحرب العالمية الثانية ، واجترحن المعجزةالوطنية الكبرى ، وكتبن بالأرواح والعرق والدم والدموع صفحة ً متوهجة ً لاتنسى في التاريخ الألماني الحديث . ستظل موضع فخر واعتزاز لألمانيا كلها . بفعلالضربات الجوية المتلاحقة ، والقصف المتواصل بلا هوادة ، ونتيجة القتالالضاري في داخل المدن الألمانية ، حيث تقاتلت قوات المشاة النظامية من كلاالطرفين ـ الحلفاء والألمان ـ تحولت أغلب المدن الألمانية في نهايةالأمر ـ 1945 ـ إلى مدن خرائب وأنقاض ، لاسيما المدن الكبيرة منها ، التيناءت بالحمل الباهظ طوال مسلسل الحرب الدموية ، من مثل برلين ، درسدن ،ميونيخ ، هامبورغ ، لايبزيج ، كولونيا … وعلى سبيل القول والتذكير فإنالمعروف من الوثائق التاريخية المتعلقة باحتلال برلين ، أن هذه العمليةأدرجت في سجل جينس للأرقام القياسبة ، بوصفها أكبر معركة في التاريخ ،كثافة النيران وعدد الخسائر تشير إلى مقتل عشرة أشخاص في الدقيقة الواحدةعلى وجه التقريب . وحالما دخلت قوات الحلفاء المنتصرة إلى هذه المدينة وجدتها عبارة عن هياكل خالية .. ( كل شيء في الحرب عرضة للاشتعال ، كل شيء يحترق : الحديد والبشر والأشجار، كل شيء يحترق) . يومتوقفت الحرب الثانية ( 8 / 5 / 1945 ) ، بدت ألمانيا بلدا ً في حالة خرابشامل . كانت الشوارع ملأى بالأنقاض ، الطوب والحجارة والتراب ، وأعمدةالخشب والحديد ، إضافة إلى الأثاث المنزلي المدمر ، تلك المدن كانت شظاياسقوط النازية . كان 95 ٪ من المنازل قد دُمِرت أو أصيبت بأضرار متفاوتة ، ناهيك عن آلاف الأبنية الحكومية ودوائر مؤسسات الدولة الألمانية . بعد أن عم ّ السلام ، كان من الضروري إعادة أعمار البلاد ، ومن أولى المهام إزالة ذلك الحطام الهائل الثقيل . لميكن هنالك العدد الكافي من الرجال لرفع تلك الأنقاض ، ونقلها بعيدا ً ،وإعادة ترميم المدن ، إن الرايخ الألماني كان قد فقد الملايين من رجاله بينقتيل وجريح وأسير ومفقود . فور توقف الحرب لم تكن المدن الألمانيةسوى مدن أشباح .. لذلك اقترح مجلس الحلفاء ـ في ألمانيا ـ بضرورة تصديالنساء الألمانيات لهذا العمل الجبار . بين عشية ٍ وضحاها ، ارتقتالألمانيات إلى مستوى التحدي ، لتتحول الأكف الحريرية والأيادي الناعمة إلىسواعد َ من حديد ، تقبض بثبات على المعاول والمطارق والرفوش ، وتحرّكالعربات الحديدية الثقيلة إلى مسافات بعيدة .. كانت تلك السواعد يشد بعضهاأزر البعض الآخر . وهكذا تخطت المرأة الألمانية واجباتها التقليدية التيمارستها طوال فترة الحرب المدمّرة ، حين كانت الطاهية والممرضة والمعتنيةبالأسرى ودفن الموتى .. كان أمام هؤلاء النسوة 3٫5 مليون منزل ومؤسسةمهدّمة ، أو ما يعادل 400 مليون متر مكعب من الأنقاض والقمامة ، أضف إليهاالكثير من المباني والواجهات الآيلة للسقوط بفعل القصف . وجدتالألمانيات أنفسهن أمام عمل هائل بإمكانياتهن البسيطة ، وكان من المستحيلعليهن نقل تلك الأنقاض إلى خارج المدن ، فعملن على تجميعها في أماكن محددةداخل هذه المدن . تم تجنيد جميع النسوة القادرات على العمل اللواتي تتراوح أعمارهن بين 15 ـ 65 سنة ، وكان في برلين وحدها حوالي 60٫000 امرأة عاملة . هؤلاءالنسوة الشجاعات واصلن العمل بلا كلل ، في ظل ظروف قاسية .. ظروفمعيشية بالغة السوء ، تميزت بقلة الغذاء وتقنينه تقنينا ً صارما ً، وكانتالأغذية تـُباع في السوق السوداء ، وانتشرت السرقة من أجل البقاء ، كماارتفعت معدلات الجريمة إلى أعلى مستوياتها ، يرافق ذلك تفشي أمراض الكوليراوالدفتريا ، مثلما رافقها شتاءٌ قاسي البرد لاسيما شتاء 1945 ـ 1946 . لميكن يمر يوم دون وقوع الحوادث المؤسفة والمميتة ، نتيجة لانفجار المقذوفاتالقديمة بين الأنقاض أو انهيار الجدران والمباني المتداعية .. إن تلكالظروف المرّة لم تثني عزمهن في إعادة تنظيف مدنهن وبناء بيوتهن ، فعملنبروح معنوية عالية عملا ً تضامنيا ً وطنيا ً مخلصا ً، لم يتوقفن ولميتراجعن ، إنما كان البعض منهن يرقصن على وقع الموسيقى في أوقات استراحتهنفي مواقع العمل !.. لقد أقامت الألمانيات الشجاعات جبالا ً من الأنقاضداخل المدن ،لا تزال هذه الجبال إلى الآن، وقد تحولت إلى أماكن استجمام ،ستظل شاهدا ً أسطوريا ً على التضحية والعزم والوطنيةالحقــّة . إنالكثير منهن شاركن في البناء أيضا ً ، وكان لهن دورا ً أساسيا ً في إعادةالحياة إلى المدن مجددا ً وجعلها صالحة للعيش والسكن . وقد رافق هذا الجهادالعظيم أدب ٌ يتغنى ويمجد بهؤلاء النساء ، في الشعر والقصة والمسرح ، أصبحيعرف بأدب الأنقاض . إن الأجيال الألمانية اللاحقة ستبقى وإلى الأبدممتنة ً لأولئك النساء المنتصرات في حربهن التي تلت الهزيمة ، والتي لمترمّم حطام المدن فقط ، وإنما رمـّمت الأرواح المحطمة أيضا .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ