النص أدناه ، هو تقديم لمجموعة قصص قصيرة بعنوان ( قيلولة التوت الأسود ) للقاص حسن مروح . وهي مجموعة قصص ذكريات ريفية ، وهذه المجموعة قيد الطباعة والنشر .
( سنوات ، كنت فيها ابن فلّاح )
القصص الريفية : هي أعمال سردية تدور أحداثها في الريف ، أو البلدات الصغيرة ، أو المجتمعات الزراعية ، وتتمحور حولها ، وتكشف عن جوهر الحياة فيها . وهي تعكس آفاق الطبيعة والدورات الموسمية والارتباط الوثيق بين الأرض والانسان . وتُعد هذه القصص موضوعاً ثريّاً ، ومستمراً في الأدب العالمي .
كان الريف ، وما برح ، مسرحاً لأعمال روائية خالدة ؛ إذ طالما عزّزت الحياة الريفية ، والعمل الزراعي ملكة الابداع الفني لدى الكتّاب . ويمكن القول أن القصة الريفية نافذة نطل منها على الوطن لأنها نظاماً فرعياً للصورة الوطنية . وغالباً ما تثير هذه القصص الحنين والارتباط بمسقط الرأس ، كما أنها جسور عاطفية بين التنوّع الثقافي في الريف والمدينة ، وتربط بين أناسها . وهذا يعني أن لديها المقدرة على تجسير الحواجز الثقافية ، وعاملاً مساهماً في التواصل الاجتماعي .
عادة ما تستكشف القصص الريفية قيَم الاعتماد على الذات ، والروابط المجتمعية ، والجمال الهادئ للطبيعة ، والحياة الريفية ؛ كما تبيّن الألوان النمطية للعيش ـ بما يميزها من إيقاع أبطأ بكثير من إيقاع الحياة الحثيثة في المجتمعات الحضرية ـ والتحديات التي تواجه الانسان فيها . أيضاً ، لا يُخفى ما لهذه القصص من دور كبير في عكس التقاليد المحلية والتاريخ والهويات الثقافية ، وهي تساهم ، في بعض الأحيان ، بالمحافظة على اللغات ، أو اللهجات ، والعادات ، والتقاليد ، من الضياع والاندثار ؛ وهذا يعني أن القصة الريفية معنية بالمحافظة على التراث الثقافي الريفي ، وهذه الوظيفة الجليلة ، إضافة إلى ما سبقها ، هي التي تحث بعض الدول المعاصرة ، كاليابان والصين ، على تشجيع المؤلفين صوب المساهمة في كتابة النصوص الريفية ، وتحفيزهم ، وإقامة منافسات ومنح جوائز للقصص الريفية . ومن الملاحظ ، كلما ابتعد المرء عن المدن الكبيرة ، زاد احتمال تهميش المكان ثقافياً أو حتى نسيانه ، إذ يزحف الفراغ ويتّسع كلما اتجهنا نحو الأطراف ؛ ومن خلال إبراز الأصوات الريفية ، تعمل هذه القصص على مواجهة التهميش والنسيان .قد يلوح للبعض بأن سكان الريف بعيدون عنهم ، ولا يعرفون الكثير عن حياتهم الاجتماعية ، ولكن بفضل القصص يتيسّر لهم معرفة ذلك .
تتسم الهوية الريفية بتنوّع غزير ، على الرغم من أنها غالباً ما تُختزل في المخيلة الشعبية في صورة نمطية تجعلها مجرّد نقيض للحياة الحضرية . وفي الأعم الأغلب من السرد القصصي الريفي يبرز الصراع القائم من أجل التمسّك بالوطن الريفي ، ومواجهة المتغيرات الحضارية ، التي لا يملك الريفيون الحيلة على إيقاف مدّها ؟.
غالباً ما تُروى القصص الريفية من منظور فردي ، يعكس تجارب شخصية خالصة ، مّما يجعلها أكثر أصالة ، ووضوحاً ، وصدقاً ؛ وبالتالي أكثر إثارة ، وصدى عاطفياً لدى جمهور القرّاء .
منذ بداياته الأولى ، كان الأدب الإنساني زاخراً بالروايات والقصص التي تركّز على الحياة الريفية ، حيث كانت هذه الحياة موضوعاً بارزاً فيه . وقد تمخّض الأدب عن أعمال كبيرة وخالدة ، كان الريف منبعها . وبمرور العصور ، تطوّر فعل تصوير الحياة الريفية في السرد القصصي ، عاكساً بذلك تغيّر الأعراف المجتمعية ، والواقع المعيشي ، مع التطور والمتغيرات الحضارية . وما إنفكّ الأدب يتناول قضايا البقاء والكفاح في البيئات الزراعية والرعوية ، مبرزاً جمال الطبيعة جنباً إلى جنب مع الحقائق القاسية للفقر والمشكلات الاجتماعية والجوانب القاتمة للأرياف ؛ وبذلك يبقى تصوير الحياة الريفية في الأدب مجالاً غنياً ، ومتعدد الأبعاد للأستكشاف ، داعياً القرّاء إلى التأمّل في الحقائق المتنوعة ، والمتناقضة غالباً ، التي تشكّل طبيعة الحياة في الريف .واستمرّ الأدب بتصوير سكان الريف ، وارتباطهم بمواطنهم ، لا سيّما مع التحولات الجذرية التي أحدثتها التطورات الحضارية والاقتصادية ، وتوسع المدن وزحفها نحو الضواحي المحاذية للريف ؛ ومع تراجع أعداد الذين يعيشون حياة ريفية فعلية ، لجأ الأدب بشكل متزايد إلى استلهام نماذج من الحياة في الريف والبلدات الصغيرة ، لترسيخ هويات واضحة وأصيلة لإنسان تلك المناطق المنسية .
لم تزل الهوية الريفية تشكّل سمة بارزة في الأدب حتى في القرن الحادي والعشرين ؛ وكما هو الحال دائماً ، تتسم الموضوعات ، والقضايا المطروحة بالتنوّع والتعقيد ، بل وحتى بالتناقض ؛ فعلى سبيل المثال ، غالباً ما توحي البيئة الريفية بالنقاء ، والحالة الطبيعية للوجود ، لكنها قد ترمز أيضاً إلى الجهل والتخلّف . وكثيراً ما يبرز الأدب المعاصر التباين بين الجمال الطبيعي ، والتقاليد الثقافية الغنية للمجتمعات الصغيرة من جهة ، والتحديات التي تواجهها هذه الأماكن مثل الفقر ، وانخفاض المستوى الصحي ، والتعليمي ، وغير ذلك .
بين يدينا هذا العمل القصصي الموسوم ( قيلولة التوت الأسود ) ، الذي يتكئ على خلفية القرية التي نشأ فيها وترعرع الكاتب حسن مروح ، قبل أن يذهب للعيش في المدينة المحاذية لها . وقد تناوبت بضعة تسميات في قصص المجموعة تلبست القرية ، مثل : ( الدوسر ، المنسية ، السهل الأبيض ، الأبرار ) ، ولكنها تبقى ذات القرية التي تحتفظ بروحية الريف العراقي الجنوبي ، الذي عاش المؤلف في كنفه .
نشأ المؤلف ، وترعرع في الريف ، ولديه سنوات عديدة من الخبرة في حياة الأرياف . في قصصه يستخدم تقلبات مصير الشخصيات ، والصلة الأساسية بين الأرض والبقاء ، كاشفاً عن العلاقة بين المصير الفردي والقوانين الطبيعية والاجتماعية في المجتمع الريفي .
يستخدم الكاتب ثروة من الألقاب الحيّة ، التي يضفيها على شخصيات قصصه ، وحوارات مليئة بالملامح الريفية ؛ ليرسم صورة مصغّرة لفترة تاريخية عاشها في منطقة ريفية . وينبع دافعه الإبداعي من السعي وراء الذاكرة التاريخية ، التي تعود إلى فترة الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي لتلك الأرض التي تلاشت ، أو أوشكت على التلاشي .
من حيث تقنية القصص ، المحتوى ريفي بطبيعته ؛ أحياناً يستخدم نهج الاسترجاع المضاد ، أسلوبه السردي هادئ ومتقيد ، مع ميل واضح إلى الكتابة بحبر شديد السواد . قصصه تحتوي على شخصيات رئيسية ، وترتبط العديد من هذه الشخصيات ، التي تعكس صورة الكاتب نفسه ، مع المشاهد الريفية ، لترسم إطار الحياة في الريف . يغوص الكاتب في إعماق الحياة الواقعية ، مستخدماً أوصافاً أصيلة ، وتطفح مشاعر الحزن والشوق المكنونة في قلبه ، والتي تتجلّى بوضوح في نبرة هذه النصوص .
لم تستطع المدينة أن تسرق حسن مروح من قلب الريف الذي عاشه بجماله الهادئ ، وسكينته التي لا تضاهى ، إنه سيبقى مخلصاً ووفياً لتلك السنوات حتى مماته . هذا المكان سيبقى يلحّ على مخيلته دوماً . وعلى الرغم من أنه عثر على ريفه خراباً ، إثر عودته إليه ، بعد سنوات من نزوحه عنه ، حيث وجد بقايا ( قرية غاب فجرها ) ، ( حزينة ومهجورة ) ، ( أيقنت أنها لم تعد قريتي ، التي تعمّد رأسي برماد موقد من مواقدها ، ساعة سقوطه ، ومواجهة نور الحياة ) ؛ إلّا أن السنوات التي كان فيها ابن فلّاح ، غرست في روحه شعلة المحبة الخالدة لقريته ، وهيهات أن يتخلّى عن وهج ذكراها . إن قصص المجموعة تبدو مجموعة من الذكريات الريفية ولا شك ، بيد أنها ـ من جانب آخر ـ مجموعة رسائل يبعث بها حسن مروح إلى العديد من كتّاب القصة القصيرة في العراق ، الذين يبدون أكثر انفصالاً عن الطبيعة ، نتيجة لميولهم إلى التركيز على الشؤؤن الإنسانية ، التي تمثّل واقعاً ملموساً ومباشراً . وهذه الرسائل بالتأكيد مشوّقة ، ومحفّزة للعودة إلى الطبيعة .
محمود يعقوب
٢۰ ـ ٩ ـ ۲۰۲٦