( ما لا يخطر في البال )

ما لا يخطر في البال

قصة قصيرة

محمود يعقوب

   بينما كان يمضي حثيثاً إلى منزله ، أخذ قلب الحاج رائد يخفق من غمرة الفرح . أرسل نظرة حالمة على طول الطريق ثم تنهّد ، وقصّر من خطوه متمهّلاً في سيره . أمست فتحة ثوبه عند الصدر باردة ، بينما ومض في عتمة المساء شعاع مَرِح ، في صفرة وحمرة مشمشية تبعث الارتياح في النفس .
” كيف لهذه الفتاة أن تحبّني بهذا القدر ؟ يارب .. هل أنا في حلم ؟ . بالأمس صددت عن نظراتها ، خلت أنها تعمد إلى إغوائي في نزوة عابرة ، لأجل أن تتلاعب في عواطفي ، كما تفعل العديد من الفتيات اللائي يتردّدن على السوق . لكن ما إن أتأمّل في نظراتها ، وكلماتها ، وإشاراتها ، أدرك أنها عاشقة . في المرّة القادمة سأبذل منتهى الجرأة لأبدأ محادثة معها .. ” . حالما عزم هذا العزم ، انتشى المساء ، ودندن في أذنيه طرباً ، وانساب الدم سريعاً في جسده ، وتلاشت ملامح العجز والحرمان عن وجهه . ابتسم في سرّه ، وراح يطرق الدرب بثبات .
   ” السوق العربي ” ، الذي يعمل فيه الحاج رائد ، سوق نساء في واقع حاله . قلّما يخطر فيه بعض الشبّان من الفضوليين والمتسكعين . عدد كبير من المتاجر في هذا السوق تعرض لزبائنها ملابس نساء وأطفال ، إلّا أن متجر الحاج رائد أفرد مساحته الكبيرة لبيع المستلزمات المنزلية ، على اختلاف أنواعها . في أحد فروع السوق الضيّقة كان يقع هذا المتجر ، محاطاً بمتجري الشابّين حازم وأثير ، وهما من أكثر تجّار السوق مرحاً .
   كما هو الحال دائماً ، يشهد ” السوق العربي ” فورتين من الاقبال الحار عليه ، واحدة عند الضحى ، والأخرى عند حلول العصر ؛ حيث يفيض السوق بالنساء ، لا سيما الفتيات المتبرجات ، وهن يثرن من حولهن سحباً من أطيب العبير ، ووافر اللفتات والهمسات ؛ وقبل ساعة من الإغلاق يمسي السوق ثملاً .
   إن متجري حازم وأثير يحيطان بمتجر رائد من اليمين والشمال ، وكان هذان الشابان يستريحان معاً عند متجر رائد حالما تنكمش أعداد المتجوّلين في السوق ويفترّ نشاطه . يجلسان لإحتساء الشاي ، ويثرثران . كانا يتبادلان أحاديث الفكاهة والنزق في جذل ، إنهما مرحان وفاسدان أيضاً ؛ ودأب رائد يمازحهما ، ويخاطبهما بعصبية مفتعلة ، قائلاً :
ــ أغربا عني ، لقد طفح متجري برائحة فسادكما .
   إعتاد كل منهما أن يحمل حزمة ثقيلة من أخبار الفتيات ومغامراتهن ، ويشرع بنثرها ، من دون أن يرعوي ، على الأسماع . كان يسعدهما كثيراً استحضار تلك الأخبار العاطفية ،  ويعثران على لذّة كبرى حين يأتيان على ذكرها . في تلك  الأثناء ، كان رائد ينصت إلى أخبار النساء في شيء من التضليل والخديعة ، فقد كان يتجنّب المشاركة ، ويشغل نفسه في أعمال المتجر ، في الوقت الذي كان يحرص بالغ الحرص على التقاط تلك الأحاديث عن كثب . إن ما يبعث الزهو في نفسيهما ، أن يسمع الآخرون بمغامراتهما ، وكيف تقع النساء تباعاً في شراك غرامهما . لم يكونا عاشقين حقيقيين بقدر ما كانت مغامراتهما من قبل الترف العاطفي وحسب . كثيراً ما كانا يتشدّقان ، في تيه وخيلاء ، في شتّى أمور النساء. كانت أحاديثهما جوفاء خاوية وتنطوي على الكثير من التعريض . دأب كلاهما في لعب دور الحبيب العاشق الذي تعلو وجهه ابتسامة الانتصار ، على الرغم من كونهما متزوجين ، ما يلبث كل منهما أن يتخيّر فتاة جميلة لينصرف عن الأولى في وقت سريع !
   هذه الحالة العرضية ، في السوق العربي ، تبدو مألوفة في الكثير من الأسواق الأخرى ، سيّما تلك التي تعج بالنساء . ولكن ما هو غير مألوف ، إن حازم وأثير كانا يدركان أن الحاج رائد رجل في أواخر الخمسينات من عمره ، وإن كانت ملامحه مشرقة ، توحي بالشباب النضر ، وكان عاجزاً ، أبتلي ، لسبب من الأسباب ، بالوهن الجنسي ، وخالا أنه زهد في النساء ولم يعد يلقي لهن بالاً ؛ وعندما يلتقي حازم وأثير في متجره ، ويشرعان في سرد رواياتهما ، كانا يحاولان ، في منتهى الخبث ، إضرام لهب الغيرة والإحباط في صدره ، وكان ذلك مبعث سرورهما .
   لم تُغضب تلميحاتهما رائد ، ولم تثر فيه الاستياء ، بل على عكس ما توقّعاه ، فقد خضّت المياه الراكدة في أعماقه ، وكان يشعر بالمتعة لسماعهما . كان يدرك أن هذا النوع من المغامرات لا يناسب سنّه ولا مقامه ، غير أن المنافسة في كل شيء كانت تهزّ بدنه ، وتحرّك كل عضو فيه ، حتى ما كان عاجزاً عن الحركة . كثيراً ما تساءل في دخيلته ، وهو يقول : ” هل يليق بي هذا ؟ ” ، إلّا أنه يعود منجرفاً مع السيل وقائلاً : ” ربما ، لا بأس في ذلك ” . كان الحاج رائد متزوّجاً ، ويمضي حياة مستقرّة ، في دعة وراحة مع عائلته ، وغالباً ما كان يعامل الفتيات ببرود ، ويردّ على تعاملهن بخمول . لم تكن النساء بعيدات عن متناوله ، كان تاجراً وحسن المظهر .
⁂ ⁂ ⁂
    في الأيام الأخيرة بدا لجاريه الشابّين ساهماً ، شارد الذهن ، منزوٍ إلى الصمت ، على الرغم من بشاشته. كانت مياه الغيرة السوداء تجري من بين قدميه ، ومن دون أن يدرك أحد السبب الحقيقي الذي أغرى رائد ، وجعله يحرص بالغ الحرص على أن يضفي على مظهره أسلوب الأناقة العصرية ، في تبدّل سريع ومفاجئ . لم يرَ حازم أو أثير جارهما قد ارتدى قمصاناً مخطّطة وبناطيل حديثة الطراز كتلك التي يرتديها اليوم !  وحينما بات يقبل على السوق العربي في أوّل الصباح ، كان يبدو لهما مغسولاً ، ومصبوغاً ، ومكويّاً بعناية فائقة .
   الكثير من الفتيات اللائي يختلفن إلى السوق العربي معروفات لأصحاب المتاجر ، كانوا يعرفون أسماءهن ، وتفاصيل مختلفة عنهن ؛ كان حازم وأثير يردّدون ما يُقال عنهن على مسامع رائد ، وهما يستذكرون حكاياتهن وأخبارهن . كان البعض منهن سهل الوقوع في الشباك ، حتى من غير طُعم .
   في خضم تلك الأحاديث ، استثبت رائد من وجود امرأة ، كانت تغشى السوق من وقت لآخر ، وهي تشعل الحسرات في قلبي جاريه الطائشين بهيبة جمالها ، واستقامة خلقها ، ورزانة حضورها . كان اسم تلك المرأة منال ، وبالنسبة لتجّار السوق العربي كانت عسيرة المنال ، كانوا على يقين بأن لا أحد يمكنه أن يظفر بها .
   تزوّجت منال مبكّراً ، وتطلّقت مبكّراً بسبب إخفاقها في الحمل ؛ لم تزل تعمل مُدَرِسَة في ثانوية بنات ، وتحجم عن الزواج ، وقد رفضت عروض الزواج مراراً وتكراراً . بالنسبة إلى الحاج رائد ، لم تثر هذه المرأة ، شأن النساء الأخريات اهتمامه ، أو جذب أنظاره ، ولكن تردّد اسمها على لساني جاريه بمثل ذلك الحماس ، جعل أحاسيسه تتوثّب ، وصار يكترث بأمرها . في الواقع أنهما نفخا في رماده بقوة ، حتى غشي وجوههم الرماد في مآل الأمر . صار يتنبّه لوجود المرأة وكيانها كلّما مرّت من أمام متجره ؛ ينعم النظر إليها ، متحرّياً ومتفحصاً ، وبدأ يشيّعها بنظرات متأجّجة حتى يواريها الزحام عن عينيه ؛ وما لبثت منال أن شعرت بحرارة نظراته .
   ذات يوم ، دلفت إلى متجره لإبتياع حاجة ما ، وما أن أبصرها تقف قريباً منه حتى فاضت عيناه ذهولاً ، ونهض لفوره في حيرة وتردّد ؛ كانت تقف في رزانة ، وقد أشرقت شمسان  فوق صدرها  ، بينما كان هو مرتبكاً مثل تلميذ يقف بين يدي مُدَرِسَته . عندما انتقت المرأة ما يلزمها ، وهمّت بدفع أثمانها ، رفض الحاج أن يأخذ منها شيئاً ، وخاطبها في حميّة قائلاً :
ــ إنها المرّة الأولى التي تشرّفين فيها متجري ، لا يصحُ أن أحصل منك على أي نقد ..
ــ لكنك تحرجني ، ينبغي أن أدفع ثمن ما اشتريته ..
ــ ليس هنالك ما يدعو إلى الإحراج ، سوف أبيع لك مقابل الثمن في المرّات القادمة .
ومنذ هذا اللقاء ، انبثقت بينهما صداقة ..
   طوال الأيام التالية ، أضحى رائد متوتّراً ، ساهم الفكر ، وحالم النظرات . كان يجلس في متجره وعيناه تجوسان في الزحام ، وهما ترسمان قوساً يمتدّ من متجره إلى آخر السوق .. قوساً ينوء بعبء الانتظار .
  عندما كانت تقبل عليه ، بوجهها الأبيض ذو الشحوب الحليبي ، وقد تغطّى بحبّات من النمش الأشقر الشهي ، يضيء وجهه بضوء أحمر شفّاف ، ويهزّه الفرح ؛ يسارع للوقوف حيالها في نشوة وارتباك ، وهو يرحّب بها ، محتفياً بمقدمها ؛ ثم يقف جانباً يرمق عينيها الجميلتين ، وهما تتوثّبان من موضع لآخر . وإذا حصل أن مرّت الأيام ولم توافِ منال خلالها السوق العربي ، كان رائد يغتمّ ، وتسوّد وجنتاه ويصبح نهباً للظنون . كان أحياناً كتلة جليد تذوب سريعاً ، ويغدو بقعة ماء ، وأحياناً أخرى كان هذا الماء يفور ويغلي ، ويتصاعد بخاراً ، سرعان ما يضيع في السماء .
   عند الساعة الثامنة من مساء كل يوم ، يبادر رائد إلى غلق متجره ، ويعود إلى منزله . وطوال الطريق ، تظل الأفكار والهواجس تكرّ عليه بشدّة . بدا له أن طيفها مقيم بين عينيه لا يغيب . وعندما يسترجع كل هذه الأمور في باله كان يتساءل في سرّه قائلاً : ” أحقّاً أنا عاشق ، من أين أتاني هذا العشق يا إلهي ؟ ” .
⁂ ⁂ ⁂
    من أكثر أسرار العشق غرابة لدى كبار السنّ هو البوح والمكاشفة بين الحبيبين ، يبدو الأمر وكأن الحب محظور عليهما ؛ فيلوذ كل منهما خلف نظراته ، حيث تطفح أجفانه ورموشه ومقلتيه بفيوض من الكلمات الملهوفة ؛ ويستجير بشيء من إشاراته الخجولة لعلّها تسعفه ؛ أمّا صوته فيغلظ ويخشن ، ويغوص في جوف فمه ، كأنه يتحدّث إلى  باطنه ؛ هذا ما يطيل انتظاره ، ويجعله يتلظّى بنيران العشق .
        اعتاد رائد الجلوس بوضع مألوف خلف مكتبه ، هادءاً ، ويضع كفّاً فوق كف على  مكتبه ، غارقاً في نعيم الاسترخاء ، تنمّ وداعته ووقاره عن السن الذي بلغه . يجلس متصفّحاً وجوه العابرين من أمام متجره ، الذين يتوقّف البعض منهم ليطالعوا الأدوات المنزلية الحديثة . كان منظره هذا يسحر منال . ما أن تنفذ داخلة إلى متجره حتى تتوقف برهة حياله ، وهي تحييه بإشراق ، وتعاين بإعجاب كفيه الممتلئين ، البضين ، كيف يستقر بعضهما فوق بعض . كانت تستهويها هذه الجلسة الرقيقة وتشدّها إليه . راح رائد يغرقها بالهدايا ، ويتجرّأ في ترديد كلمات الاعتزاز على مسامعها ، وهو يزداد صدقاً ولطفاً معها ، حتى لامس قلبها ؛ وقد أدركت منال ذلك فراحت تعامله بالمثل ، لينتهي بهما الأمر حبيبٌ وحبيبةٌ . وعندما تعاظمت حرارة الحب في قلبها ، ازدادت تألّقاً وجمالاً .
   العجيب في عشق رائد ، أنه بدا شجاعاً ومقداماً ، فعلى الرغم من حذره وتكتّمه ، رغب أن يُطلع جاريه بأمر علاقته مع منال ، بل أراد أن يجهر بحبه للسوق العربي بأجمعه ! كان رائد يرمي إلى إثارة الغيرة في نفوسهم جميعاً ، وأن يجلس خلف مكتبه مزهوّاً ، وقد سحق ابتسامات الانتصار العاطفي الزائف التي تعلو وجوه أصحاب المتاجر الفاسقين .
   أصابت الحيرة حازم وأثير ، فانتفخ وجهيهما من فرط الذهول ، وكفّا عن التشدّق ، وحينما يعودان إلى الجلوس في متجره ، كانا يلوحان مقموعين . فاجأ الحاج رائد الجميع ، بسبب ظنونهم بأنه رجل خالي القلب والمشاعر .
    أمسى الشغل الشاغل لكل من حازم وأثير ، أثناء فترات استراحتهما هو التباحث بأمر رائد ومنال . في كل يوم كانا يتداولان أمرهما بإحباط وغيرة ، وقد تضاربت من حولهما الأفكار والأسئلة المحيّرة . أخذ حال رائد يردعهما شيئاً فشيئاً ، حتى بات الأثنان أكثر رويّة وتعقّلاً في النظر إلى الأمور  ، فكان حازم يسأله :
ــ ما الذي تروم إليه هذه المرأة من رجل متزوّج ، وفي أواخر الخمسين من عمره ؟
ــ إنها تطمع في ثروته لا غير ..
ــ كلا ، لا تنقل هذه الأفكار الغبية ، التي يردّدها الآخرون ، منال ليست بحاجة إلى المال ، ولا هي من النوع الجشع .
ــ إذن ما الذي تبتغيه وفق تقديرك ؟
ــ لا  أعلم ، إن أمر النساء غريب ! ولكنني واثق أن منال انقادت إليه عن وعي وإدراك .
يصمت كلاهما متفكّراً ، ثم ينبري أثير قائلاً :
ــ الأغرب من ذلك إن رائد أسفر عن حقيقته كأستاذ في العشق .
كانا يتجاذبان الكثير من الرؤى حول هذا الأمر ، أحسّ كل منهما بأنه مُنِيَ بهزيمة ، فغدا أكثر جدّية في تفكيره ، ولكن حازم كان ينظر إلى العلاقة العاطفية التي ارتبط بها رائد ، على أنها علاقة وطيدة وبالغة الوقار ، وإن مثل هذا النوع من الحب لا مفرّ له من أن يتوّج بالزواج أخيراً . وحين يعلن عن أفكاره ، يسارع صديقه أثير بالإعتراض قائلاً :
ــ لا تنسَ أن الرجل عاجزاً جنسياً .
فيلتفت إليه حازم وبين شفتيه تبزغ ابتسامة مترعة بالثقة ، وهو يقول :
ــ أنت تتحدّث عن العجز فقط وتنظر إلى الأمر عبر زاوية ضيّقة ، بينما  هنالك ألف أمر آخر يشدّ المرأة إلى الرجل ؛ أسألك بالله هل أن غياب اللحم عن مائدة الطعام يمنع الجائع من الإقبال على طعامه ؟ .
أراد أثير أن يقول شيئاً ، لكنه لم يقوَ على ذلك ، ما فتئ يحدّق بقدح الشاي ، الذي بدأ يبرد من غير أن يمسّه ؛ كان يشعر بدفق من حموضة معدته يتصاعد إلى جوف فمه .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *