روائي نمساوي شهير . يُعدّ من كبار الروائيين الأوربيين في مطلع القرن العشرين . وُلِدَ لعائلة يهودية ثرية ، تعيش في فيينا . درس اللغة الألمانية ، ثم تخصّص في الفلسفة في جامعة فيينا ، وتخرّج بدرجة الدكتوراه عام ١٩٠٤ . كتب الشعر في سن مبكّرة ، ونشر قصيدته الأولى عام ١٨٩٨ ؛ ومنذ ذلك الحين بدأ مسيرته الأدبية الزاخرة بالعطاء . شهد زفايج حربين عالميتين في حياته ، وأطلع على أهوالهما ، وكان أثرهما عميقاً في حياته ، وتجسّد ذلك من خلال أدبه . أثناء تلك الحروب ، تنقّل زفايج من بلد لآخر ، وشهد الضرر الكبير ، وفظاعات الحكم الفاشي ، ووقف ضد الفاشية علناً ، ومع اندلاع الحرب الثانية شعر زفايج باليأس من استعادة الثقافة وتنمية المجتمع ، لذلك انتحر .
اشتهر الأديب ستيفان زفايج في شبابه على أنه مترجم وشاعر، وبعد فترة من الزمن ذاع صيته كمؤلف للسير الذاتية والتراجم للكثير من الشخصيات العالمية كالملكة الفرنسية “ماري انطوانيت” زوجة ملك فرنسا لويس السادس عشر، وديكنز ، وتولستوي ، ودويستوفسكي ، وغيرهم الكثير، وفي المراحل اللاحقة من حياته ألف ستيفان زفايج العديد من القصص القصيرة التي نالت شهرة كبيرة إلى أن كتب روايته الخالدة “حذار من الشفقة”وذلك في عام ١٩٠٢.
استقر بعد ذلك في سازبورغ عقب زواجه وكتب الكثير من القصص و الروايات والسير الذاتية في فترة العشرينيات من القرن العشرين والتي أصبحت ذات شعبية كبيرة وحققت مبيعات قياسية حال نشرها ومن هذه الأعمال الشهيرة “أموك” و”الخوف” و”إكراه” .
سافر إلى إنكلترا واستقر في العاصمة لندن، حيث تعرض لكثير من الانتقادات لأنه لم يهاجم بشكل علني النازية ، ولم يدعم اليهود المضطهدين . ومن أعماله في هذه الفترة “احذر من الشفقة” و”قصة الشطرنج”، وبالرغم من حصوله على الجنسية البريطانية لم يكن راضياً عن وضع اليهود في لندن . من الروايات المهمة التي كتبها رواية “أربع وعشرين ساعة في حياة امرأة”، ورواية “بناة العالم”، ورواية “السر الحارق”، ورواية “عالم الأمس” هذا الكتاب الذي تحدث فيه عن سيرة حياته لكنه نُشر بعد وفاته، بالإضافة لكتابته عددًا كبيرًا من المسرحيات و الروايات . وفي بدايات الحرب العالمية الثانية ، عندما شهد الانهيارات التي حدثت في العالم والانحطاط الفكري والأخلاقي ، أصابه إحباط ويأس ، وذلك بسبب الإحساس المرهف الذي يتمتع به ونظرته الحيادية والشفافة لأمور الحياة ؛ حيث أنهى آخر رواياته وهي رواية “لاعب الشطرنج” التي تعتبر لوحة فنية بارزة بين الأعمال الأدبية الضخمة التي قدمها خلال مسيرته الفنية. وقد تحدث في هذه الرواية عن صدمته الكبرى من بشاعة العالم وقسوة الإنسان وانعدام مشاعره، وسبق أن ترجم الأديب الكبير “يحيى حقي” هذه الرواية إلى العربية.
في ٢٢شباط من عام ١٩٤٢ انتحر ستيفان زفايج برفقة زوجته الثانية في شقته ، في البرازيل عن عمر يناهز ٦١ عاماً .
◘◘◘
نشر زفايج رواية ( خطاب من مجهولة ) ، كأحد أعماله القصصية الطويلة ، في عام ١٩٢٢ ، في ذروة عطائه الأدبي . وكانت تلك الفترة أيضاً ، الفترة التي وضعت فيها الحرب العالمية الأولى أوزارها ، وراح العالم كله يحاول التعافي من جراحاته ، والبحث عن فرص للتطوّر . كما ظهرت بوادر الحركات النسوية التي تنشد تحرير المرأة ، ومساواتها بالرجل . وكان يعتقد أن ستيفان زفايج مهتمّاً بهذا الجانب هو الآخر . وربما كتب هذه الرواية ليكشف عن أن غالبية النساء كنّ بلا حول ولا قوة ، عندما يواجهن مصائرهن ، لا سيّما في علاقاتهن مع الرجال . وتجدر الإشارة إلى أن الكاتب الروسي العظيم ” مكسيم غوركي ” قد وصف هذه الرواية آنذاك بأنها كانت ” تحفة رائعة ” . القصة ، عبارة عن رسالة طويلة ومؤثرة ، ومناجاة حزينة ، كتبها زفايج بضمير المتكلم . وهي واحدة من قصص الحب الرومانسية العظيمة .
وعن فحوى هذه القصة الطويلة ؛ فإنها تبدأ مع عودة الكاتب ( R ) إلى مسقط رأسه في مدينة فيينا بعد عطلة في الجبال . فيجد في بريده رسالة طويلة ، أشبه بالمخطوط ، لم يُذكر اسم المرسل على غلافها . تصف فيها امرأة مجهولة حياتها المريرة ، التي أُطّرت بحب جارف ، من طرف واحد مع الكاتب نفسه . تقع فتاة مراهقة بحب جنوني مع كاتب منغمس باللهو ، و كان يعيش في نفس المبنى السكني ، الذي تعيش فيه هذه الفتاة ، ذات الثلاث عشرة سنة من العمر ، مع والدتها ، من دون أن يعلم الكاتب بأمرها أو يأبه لها . يستمر الحب حتّى عندما تنتقل مع والدتها من فيينا إلى مدينة إنسبروك . وعندما بلغت من العمر ثمان عشرة سنة ، انتهزت أول فرصة لها للعودة إلى فيينا . وذهبت تتسكّع قريباً من سكنه كل يوم لتراقبه وتتلصّص عليه ؛ حتّى تحدّث معها أخيراً ، وهو لا يتذكرها ، لكنه يبدي اهتماماً بها ويدعوها لتناول العشاء . وعندما يدعو الفتاة إلى منزله ، يقضيان الليل معاً ، ويتكرّر هذا الأمر ليلتين أخريين . وبعده يعود الكاتب إلى رحلاته الاستجمامية ، وعبثه ، بعيداً عنها ، وعند عودته من تلك الرحلات ، يكون قد نسي أمرها . ومن الليالي التي أمضياها معاً ، وُلِدَ طفلٌ . وكانت الفتاة ، التي باتت الآن امرأة ، قد حرصت على تربية الطفل بمفردها ، وسعت إلى تأمين أفضل حياة له ؛ حتى اضطرت للعمل كمومس ، وارتبطت بعلاقات مختلفة مع رجال من الطبقة العليا في مدينة فيينا ، كانوا يدفعون لها الكثير من المال . وعقب سنوات قليلة تجمعها الصدفة مرّة أخرى مع الكاتب الحبيب ( R ) ، حيث كانت تلهو في ملهى ليلي . ولم يكن الكاتب يعرفها ، غير أنه سمع عن خدماتها ، وطلب منها أن يمضيا ليلة معاً . وافقت الفتاة على أمل أن يتعرّف عليها ، لكنها عندما لم تلمس أي أثر للذاكرة عليه ، غادرت شقته منزعجة ، خائبة الأمل في صباح اليوم التالي . عندما مات طفلها نتيجة الإنفلونزا ، كتبت رسالة إلى الكاتب تخبره بقصتها ، وهي تشير في بداية الرسالة إلى أنها مريضة أيضاً ، وأنه لن يتلقى الرسالة ، ربما ، إلّا بعد وفاتها .
ويحاول الكاتب ( R ) الاستنجاد بذاكرته ، وإعادة رسم ملامح لقاءاته مع تلك الفتاة ، ولكنه فقط لا يجد سوى بعض شظايا من ذكريات غائمة ، ولا يتذكّر حتّى من تكون هذه المرأة ، كل ما هنالك أن الكاتب ” أحسّ بالحب الخالد : شيء ما انبثق من داخل روحه ، وكيانه ينصت إلى موسيقى بعيدة خفية ، غير مجسّمة ، وعاطفية ” 1 .
يعدّ الكثيرون أن هذه القصة هي من أكثر قصص الحب الرومانسية مأساوية . وقد كّتِبت من منظور أنثوي خالص ، كما هو الحال في روايته الأخرى ( أربع وعشرون ساعة في حياة امرأة ) ، التي تروي فيها امرأة متزوجة فصلاً عاطفياً من فصول حياتها ، برفقة شاب صغير السن . يذكر زفايج أنه حاول أن يضع نفسه في مكانة المرأة ، ليشعر بمشاعرها ، ويدرك أحاسيسها الأنثوية الحقيقية ككاتب ذكر . وقد فاجأ زفايج الجميع بتمكنه من وصف الأنشطة العقلية والعاطفية للمرأة بدقّة وحساسية . وكانت رسالة المرأة قد تضمّنت بمجملها لواعج دفينة ، وصراع خفي دفين في أعماق محب من طرف واحد ، وكان هذا الصراع النفسي يضطرم ويزداد حدّة مع الأيام ، كلّما ازداد يقين الفتاة العاشقة بأن حبيبها يجهلها تماماً ، ولا يعلم شيئاً عن حبّها هذا . وفي الواقع لم تكن هذه الرسالة أكثر من وثيقة صراع نفسي عنيف مع الذات ، دار في أعماق فتاة بريئة ، حتى أسلمها إلى ملاقاة حتفها . وبما أن الحكاية قد وردت في رسالة وحسب ، لذا من الطبيعي جداً أن نجد التركيز فيها منصبّاً على شخصية كاتبها بالدرجة الأساس ، ولم يكن فيها متسعاً للحديث بالتفصيل عن شخصية بطلها الآخر ، وهو الكاتب ( R ) ، ليبقى هذا شبه مخفي . وقد يعيب البعض على ذلك بأن شخصية مركزية ، يدور عنها الحديث ، لم تنل الرعاية الكافية ؛ ولكنني أعتقد بأن العواطف التي سُكبت في أرجاء القصة كانت صدى لتلك الشخصية التي يمكن رصدها مّما بين السطور . وإن تلك الشخصية البرجوازية ، التي تتحلّى ببعض صفات الأنانية ، لم تكن مخفية عن نظر القارئ وحدسه بأي حال . وحيث يعيش الكاتب ( R ) عالمين متناقضين : ” فمن جهة كونك فتى نزق متوهج يحب اللهو ، والمغامرة ، في نفس الوقت أنت جاد في أدبك بلا هوادة ، وذو ضمير حي متعلم ، وتجيد القراءة بلا انقطاع ، لقد شعرت كما شعر الجميع أنك تعيش حياة مزدوجة … هذه الازدواجية العميقة هي سرّ وجودك “2 .
كانت شخصية الفتاة ، شخصية أنثوية حيّة ، جميلة وشجاعة وحنونة ، على الرغم من أنها عاشت خضم حياة قاتمة ؛ ولأجل أن تحرّر نفسها من قيود الألم المرير كتبت هذه الرسالة ، التي تكشف عن عدم مسؤولية الرجال تجاه المرأة : ” ربما سوف تناديني بعد ذلك ، ولا أسمعك بعد الآن ، وأكون غير مخلصة لك للمرة الأولى حين تناديني ـ لن أترك صورة مني ، ولا إشارة ، كما لم تترك لي أي شيء . سوف لن تتعرّف عليّ أبداً .. أبداً ، ذلك كان قدري في الحياة ” 3 .
تميّزت الرواية بجاذبيتها ، وقدرتها على التشويق ، كما هو الأمر مع أعمال زفايج الروائية والقصصية الأخرى ، التي اكتسبت شهرة عالمية . وبعد فقد كانت ترجمة الدكتور رياض أحمد طه لهذه القصة عن اللغة الألمانية مباشرة ، وتعامله مع النص كان جيداً ، استطاع أن يعرضه على صورته المشوّقة تلك بنجاح .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 1 ـ ص80 من الرواية . 2 ـ ص18 من الرواية . 3 ـ ص77 من الرواية .