قصة قصيرة
محمود يعقوب
(عصفور الجنّـــة )
” اسماً كان يُطلق على إنسان ” ، هذا ما تبقّى من شخصيّة البنت الفاتنة ” ميس ” ، في أعقاب تلاشي أصوات الكبكبة التي أحاطت بها، بعد أقلّ من سنتين على سطوع نجمها .
أحياناً تقودني قدماي إلى موضع تافه في غفلة مني ، فأندم على أفعالي ، وأعاهد نفسي أن لا أفعل ذلك ثانية . وبعد مضي الوقت ، أتفاجأ بأن قدميّ مشت بي إلى موضع آخر أشدّ حماقة من الأول وأكثر نزقاً ؛ هذا ما حدث معي ذات مرّة وأنا أتصفّح الإنترنت ، إذ ألفيت نفسي حيال صفحة مغرية ، صاخبة ، لم أطّلع عليها من قبل ، هي صفحة ” عصفور الجنّة ” . توقّفت عندها مليّاً ، ومن دون أن أشعر غرقت فيها حتى ساعة متأخّرة من الليل ، فأنا أحبّ عصافير الجنّة حقّاً . في تلك الصفحة أصخت سمعي إلى زقزقة عذبة ، حلوة ، وقد تلألأت صاحبتها تحت الأنوار ، وتغطّت بريش ناعم ، أصفر ليموني ، مخضّب قليلاً بخضرة مشرقة . بدت زاهية ، ومثيرة ، وتترنّم كترنّم طيور الحب . خلدت إليها مثلما أخلد إلى نوم لذيذ ، أدهشني ذلك الجمع الغفير الذي فاض عن حدّه ، وهو يحيط بها كما يحيط قفير النحل بملكته ، بينما العسل الشهي يغمر الشفاه جميعاً . كانت تستعرض مع متابعيها صور السيلفي التي التقطتها نهار ذلك اليوم . صور عديدة .. صورة وهي تحلّق في سماء بلورية صافية .. صورة في نزهة نهرية حالمة .. صورة وهي تقود عجلة حديثة الطراز ، باهظة الثمن … في كل تلك الصور ، أسفرت عن فتنتها وجرأتها بشكل أدهش الجميع . كان جيش المتابعين ، من الفتية والفتيات ، فاغري الأفواه ، وقد شبكتهم خيوط المسكنة والتهاويل . كان عدد هؤلاء لا يُحصى ، فريق يغادر وآخر يطلّ ، فوج إثر فوج ؛ كانت تلهب دماءهم جميعاً بسحر حضورها ، بل إن جرأتها وتغنّجها ألهبتهم أكثر . استغرق عرضها لتلك الصور وقتاً طويلاً ، وقد خلّفت في ذاكرتي أمراً تنبّهت له في الحال ، فقد كانت ، في جولاتها ، تصطحب شابّاً حرصت على عدم الكشف عنه ، ولكن الصور أبانت بعض أجزاء من جسده ، فتارة تبدو ساقه في هذه الصورة ، أو يلوح ذراعه في صورة أخرى ؛ لسبب ما حاولت الفتاة عدم إظهاره مباشرة ، غير أن أطرافه التي تبدو مرّة إلى اليمين منها ، ومرّة إلى اليسار منها ، كانت ترسل إشارة إلى أنه يحيط بها من كل صوب .
لقيتني أغفو ثم استيقظ ، ثم أغفو ، مرتين ، أو ثلاث مرّات أثناء هذا البث الطويل ؛ وفي كل مرّة استيقظ فيها أشرّع عيني ، وأحدّق مليّاً لعلّي أعثر على أمر استجدّ ، وسوف يجذبني إليه ، ولكنني لم أجد سوى تلك المسرحية التي يجترّون فصولها الشكلية ، الجوفاء طوال الليل . كانوا يبدؤون تجمّعهم في الساعة العاشرة مساءاً ، ويتواصلون حتى آخر رمق من الليل ، وهم أشبه بروضة أطفال .. روضة جنائنية ، فيها المرح ، وفيها الفرح . يقعدون فيها و يغدقون على بعضهم البعض ألطف المشاعر ، وأرقّ الألفاظ ، من غير أن يعبأ أحد لفوات الوقت . في السكون البارد للظلام ، تتلوّن الكلمات بألوان النجوم ، وترتعش كالأضواء ، لتهزّ النفوس الظامئة .
عقب أيام ، قادتني قدماي كرّة أخرى للتمتّع بمشاهدة البث العاطفي ، وفي هذا المساء أدركت أن عصفور الجنة الذي يعشقه الجميع ، كانت طالبة متقدّمة على زميلاتها في الدراسة ، ومتميّزة جداً ، شاركت في أنشطة المدرسة على تنوعها ؛ فقد غنّت ورقصت ، واتقنت الفنون . كانت لطيفة ، تبتسم دائماً لزميلاتها وأساتذتها ، وفي المنزل كانت وحيدة أبويها ، ونجمة سمائهم . في حديثها ملاحة مدهشة ، لا يعرف المرء من أين أتت بها .عرفت أيضاً ، أن ” ميس ” مجرّد اسم استعاري حرّره المعجبون أنفسهم ، لتدلّلها ، وتغنّجها المثيرين .
في إقدام وحماسة ، اختارت طريقاً شاقّاً وعراً . أرادت أن تحيا كالأميرات ، في هذا الزمن الذي صار فيه الكثير من البنات أميرات حقّاً ، ورحن يحلقن في السماء قريباً من نجومها الباهرة ؛ ولكننا ندرك أن أولئك الفتيات يرتقين فوق الأرض بأجنحة الشهرة وحسب ، وهن يشقّن السماء في مسار على هيئة قوس ؛ يبدأن في الرقي والارتفاع إلى عنان السماء من أحد طرفي القوس ، ثم لا يلبثن أن ينحدرنّ متدنيات من طرف القوس الآخر ويهوين إلى الأرض ثانية . في اختيار كهذا ، خدعت ” ميس ” نفسها ، وخذلت أبويها ، ولكنها خلقت حشداً من العشّاق والمعجبين التفوا حول شجرتها كالعشب الغزير ، والأكثر دهشة أن هناك نفر من الفتيات قد تولّهن بها أيضاً ! .
في الأيام التالية ، أخذ الفضول يشدّني أكثر ، إلى صفحتها الحمراء وإلى عالمها الحسّي ، وأمست زياراتي تتكرّر من غير توقّف كما لو أنّني أحد متابعي بثّها . صرت في شوق لمعرفة حال الفتاة المدلّهة بحبّ فتى وسيم ، وكنت في شوق لمعرفة ما سيؤول إليه أمرهما في نهاية المطاف . ومن جراء حضوري الحثيث استخلصت أن ذلك الفتى كان رجل أمن ، يشغل شأناً حسّاساً للغاية . في إثر تشابك العلاقة بينهما ، سارع ليهديها عجلة فارهة ، لها اسم طنّان ، يسيل له لعاب الشباب ، وما فتئ يصحبها في الكثير من الجولات ، متباهياً باستعراض جمالها أمام أنظار الناس . كانت ” ميس ” تسارع إلى التقاط الصور تباعاً ، وتبثّها مباشرة ، لتحرق قلوب الحاسدين ، وتضرم إعجاب ودهشة المئات والمئات من المفتونين بها .
من فيض التعقيبات المرافقة لبثّها ، أدركت أن هذا العشيق هو الثالث على التوالي ، بعد أن تخلّى عنها الأول والثاني أيضاً . وإن هذا الشاب لا يرغب في الإفصاح عن شخصه جراء حسّاسية موقفه الأمني ، فاكتفى بإبراز بعض أطرافه في صور البث ، كأنه يلوّح بالسلاح الذي تتسلّح به عشيقته .
عَمُقَ الحديث عنها : ماذا تلبس ، وماذا تأكل ، وأيّ عجلة تقود ، وعن ماذا تتحدث … وباتت جميع تفاصيل حياتها تشغل الآخرين . في تلك الليالي ، كانت مصابيح السعادة تغرق وجهها بأنوارها الوضّاءة ، وتنعكس تلك الأنوار لفورها على قسمات وجوه المعجبين بها ، فتأخذهم رعشة الفرح الغامر ، وتخفّ أجسادهم ، ويحلّقون عالياً في إثر عصفورتهم . كانت طلاقتها مفرطة ، ومظهرها يوحي بالفرح والحيوية مثلما يوحي مظهر عارضات الأزياء . كانت البهرجة أشدّ حضوراً ، وبدت ” ميس ” قريبة إلى قلوبهم جميعاً ، وكأن معرفة وثيقة سابقة قد شدّت بينهم .
ــ هل تتزوجين ؟ يسأل أحد الشبّان الذين تستضيفهم ، وشفتاه تحومان حول شفتيها المطليتين بالأحمر الياقوتي الشبق . ــ لا أفكّر الآن في الزواج . ــ ولكنه أمرٌ لا مفرّ منه بالنسبة لفتاة جميلة مثلك ؟ ــ ولكن لدي الكثير من المشاغل ، والأحلام التي ينبغي عليّ أن أصل إليها .
كانت تجلس ، وتتحدّث بجرأة تفوق أنوثتها . أحياناً تسحب كرسيها إلى الخلف ، لتستريح أكثر ، فتلوح للعيان ركبتيها العاريتين ، مدوّرتين وناعمتين ومغريتين . لم تكن مبالية ، بل أنها لم تكن مبالية أيضاً لتعليق أحد المتهتكين ، الذي خاطبها يقول : ــ أنا بحاجة إلى سنتين متواصلتين ، كي أشبع قُبلاً من ركبتيك .
هنا تحسّ وكأن الكثير من القيود والتحفظات تسقط مباشرة . كانت زميلاتها من المعجبات يتناوبن الظهور معها ، وكن جميعاً مثل الزجاج الملوّن المنقوش بالسحر . وفي يوم آخر استضافت شابّاً ، كان تاج شعره في غاية الروعة ، وارتدى قميصاً ليلكياً غريب الفصال ، وأدهش الجميع به . وتحدّث الشاب بلباقة عن تحرّر المرأة في المجتمع مستشهداً بصديقتهم ” ميس ” ، غير أنه لم يلبث حتى ربط حديثه بشؤون السياسة ربطاً عنيفاً وملتوياً ، مّما أدى إلى احتدام النقاش حول ذلك ، بين مؤيد ، ومعارض ، وانطلقت العبارات على عواهنا ، وسادت الفوضى العارمة بين الجميع . لعنت ذلك القميص الليلكي الفتّان الذي أفسد تلك الليلة ، وعزمت على عدم الانغماس ثانية في مستنقع الترهات هذا . تركتهم خلفي ، وبعد بضعة شهور نسيت أمرهم ؛ في واقع الحال ، لم أكن متابعاً لمثل هذه الصفحات الإلكترونية ، بقدر ما كنت متسلّلاً ، ومتلصّصاً .
⁂
ذات صباح ، قصدت أحد متاجر بيع الخضار ، وكان المحلّ مزدحماً بالزبائن ، وقد طال انتظاري فيه . التقطت أذناي شذرات من حديث دار بين شخصين كانا ينتقيان الفاكهة ، غير بعيد عن مكان وقوفي . سأل أحدهم : ــ هل شاهدت حال ” ميس ” الليلة البارحة ؟ أجابه الثاني بنبرة الأسف والأسى : ــ نعم ، نعم ، لقد كسرت خاطري ببكائها المرير ، انتقم الله منه عاجلاً ، ماذا فعل هذا الوغد بها .. على هذا النحو ، استغرقا في حديثهما الحزين ؛ وقد أعاد ذكر اسم ” ميس ” انتباهي ثانية إلى تلك الصفحة التي شغلتني بعض الوقت ؛ وفي المساء ، وجدت نفسي أتسلّل إليها من دون رادع .
عجبت لذلك التبدّل في الأحوال ، جلست ” ميس ” جريحة الكبرياء ، وقد غطّى جسدها ريش دخاني داكن ، وكانت عيناها العصفوريتين محمرّتين ، أحاطت بهما خطوط سود . كانت تتحدّث بانكسار ، وعندما يتعلّق الحديث بالهوى والغرام ، كانت تتهرّب منه سريعاً . بقيت تتبادل أطراف الحديث زهاء ساعة من الوقت ، حتى جرح مشاعرها أحد المتطفّلين بكلمات فظّة . لبعض الوقت ، لم تعره اهتماماً ، ولكنها في النهاية لم تتمالك زمام نفسها فخرّت دموعها الحارقة على وجنتيها ، انطلقت حسرات المعجبين ، وهم يلتقطون حبّات دمعها بمناقيرهم الحزينة . لم يكن غريباً أن تنحدر إلى هذا الدرك من الضعف والخور ، بعد أن كانت جريئة وقوية ، فقد غلبها الحزن والكدر ، وما لبثت تلوّح إلى بعض الديون التي ترهقها ، والتي لا تقوى على سدادها، وبان تلاشي الكثير من تلك المظاهر الخادعة التي تباهت بها طوال الأيام السابقة .
كانت خشبة مسرحها كئيبة ، مترعة بالشكوى الدرامية . كانت التعليقات محتدمة في ذلك المساء ، وانصبّت بمجموعها على مهاجمة حبيبها الذي لاذ بالهجران ، هو يتخذ له خليلة أخرى ، وكانت هذه الفتاة الجديدة من المشاهير أيضاً . يبدو أن الجميع يعرفونهما جيداً ، ذكروا اسمه الصريح ، كما ذكروا اسم عشيقته ؛ وكان ذلك الذكر مقروناً بألفاظ نابية . أعتقد جازماً أن بإمكان ” ميس ” نسيان الأمر لو أنها كفكفت دموعها ، وانقادت صوب حبيب آخر ، ولكنها بدلاً من التفكير على هذا النحو سارعت في الأيام التالية لتصبّ جام غضبها على غريمتها ، يسوقها التشجيع الحماسي لكل المعجبين بها ؛ لم يتسم أحد منهم بالحكمة والحصافة ، وينصحها بأن تكون على حذر في خطابها ، أو يدعوها إلى نسيان الماضي والبدء من جديد . فلم يلبث غضبها أن تحوّل إلى تشهير فجّ ، وغير لائق ؛ سكبته منهمراً على حبيبها وعشيقته فما كان منهما إلّا الإسراع باللجوء إلى المحاكم لرفع الحيف الذي لحق بهما .
ما أن أُعلن نبأ الشكوى ، حتى انطلقت شراراته لتحرق جميع مواقع التواصل ؛ وقد احتدم الأخذ والردّ ، وكثر اللغط ، وشاعت الأقوال ، لتتحوّل هذه المسألة الشخصية إلى ما أشبه بالقضية العامّة . جراء ذلك أصر الفتى والفتاة على المضي في شكواهم . في إثر تداولها ، أمرت المحكمة بحبس ” ميس ” ثلاثة شهور . تلك كانت فترة وجيزة ، في واقع الأمر ، ولا يعدو قرار المحكمة أكثر من كونه إجراءً تأديبياً لا غير .
فجأة تلاشى وهج المسرّة ، وفرط عقد المعجبين سريعاً ، بعد أن تعاهدوا على الاجتماع ثانية حال انقضاء الشهور الثلاثة . قالوا إنها فترة قصيرة ، سرعان ما تنتهي . يبدو أن قرار الحبس لم يثر مخاوف كبيرة في نفوسهم بقدر ما أثاره في نفسي . إن أحداً منهم لم يدرك ببصيرة العارف ما تعني تلك الفترة ـ التي وصفوها بأنها وجيزة ، سهلة العبور ـ ولا أحد تصوّر حال فتاة وحيدة ، جميلة ، جذّابة المنظر ، ضعيفة لا حول لها ولا قوّة ، وقد جرّدت من كرامتها وحصانتها ؛ ذهبت لتجثم خلف قضبان سجن بشع ، لا حياة فيه ، ولا يطمئن فيه القلب لحظة واحدة ، تلقفتها أيادٍ خشنة ، غريبة ، ومجهولة ، لتسعين ليلة من الليالي المكفهرّة ، الملبدة بأفزع الغيوم ! .